السلطان الغازي محمد الأول (816- 824هـ)




الشئون الخارجية:

يبدو أن السلطان محمد عاش معذب الضمير من جراء قتله لإخوته الثلاثة عيسى وموسى وسليمان, ولذلك انعكس ذلك في معاملة الآخرين, ويتضح ذلك عندما انتصر على أمير القرمان وعفا عنه بعد أن أقسم له بالطاعة، ثم تمرد عليه مرة أخرى فانتصر السلطان عليه مرة أخرى وعفا عنه، وأيضًا في انتصاره على أمير أزمير قرة جنيد، ثم عفا عنه وعينه حاكمًا لمدينة نيكوبلي.

الشئون الداخلية:


قام أحد القضاة ويدعى بدر الدين بحركة يدعو فيها إلى مبادئ مشابهة للاشتراكية, وتبعه في ذلك الكثير وخاصة من أصحاب الديانات الأخرى، وأحس السلطان باستفحال أمره فقاتله وانتصر عليه وقتله.
ظهور الأمير مصطفى بن السلطان بايزيد ظهر فجأة الأمير مصطفى بن السلطان بايزيد وأخو السلطان محمد، وطالبه بالحكم فقاتله، وانضم إليه قرة جنيد ودخل إلى بلاد اليونان، ولكنه هزم ففر إلى إمبراطور بيزنطة الذي رفض تسليمه إلى السلطان محمد، ولكنه وعده بوضع أخيه تحت الإقامة الجبرية وخصص السلطان لأخيه راتبًا شهريًّا، وبرغم خيانة قرة جنيد إلا أن السلطان عفا عنه مرة أخرى.
ومات السلطان عام 824هـ ووصى لابنه مراد من بعده ولعلنا نلمس من الآن فصاعدًا إحدى سلبيات العهد العثماني، وهي قتل الإخوة لبعضهم تنازعًا على الملك, والتي ستظهر بصورة واضحة في السلاطين القادمين.

السلطان الغازي
مراد الثاني (824- 855هـ)



تولى السلطة عام 824 وعمره لا يزيد على 18 سنة، وانتهج سياسة تنبني على إعادة السيطرة على إمارات الأناضول التي استقلت عن الدولة العثمانية أثناء غزو تيمورلنك، حتى يوحِّد عدد كبير من المسلمين ليكونوا قوة كبيرة تنطلق لفتح أوربا؛ لذلك فقد أجل الفتوحات في أوربا لحين استعادة إمارات الأناضول, فعقد هدنة مع ملك المجر مدتها خمس سنوات، ولكن ظهرت عدة مشكلات:
طلب إمبراطور بيزنطة من السلطان مراد عدم الهجوم على القسطنطينية، ولكي يضمن ذلك طلب من السلطان أن يسلمه اثنين من أخوته كرهينة, وهدد إمبراطور بيزنطة بإطلاق سراح مصطفى عم السلطان مراد إذا لم ينفذ شروطه, فرفضها السلطان مراد الأول فأطلق سراح عمه مصطفى، وزوده بعشرة مراكب فانطلق بها مصطفى لحصار مدينة غاليبولي على مضيق الدردنيل, فدخلها وترك فيها حامية، إلا أنه لم يتمكن من دخول قلعتها، وسار مصطفى نحو أدرنه وقتل القائد العثماني بايزيد باشا، وسار نحو ابن أخيه مراد ولكن حدثت خيانة في صفوف قواده، ففر مصطفى إلى مدينة غاليبولي حيث قبض عليه وأعدم.
وسارع السلطان مراد الثاني لينتقم من إمبراطور بيزنطة فضرب الحصار على القسطنطينية عام 825هـ، ولكنه لم يتمكن من فتحها.

فتنة أخو السلطان
:

استغل الأمير مصطفى أخو السلطان مراد انشغال السلطان بمحاصرة القسطنطينية, فقام بالتمرد عليه يدعمه أمراء الدويلات المستقلة في الأناضول، فاضطر مراد أن يفك الحصار عن القسطنطينية ويقاتل أخاه حتى هزمه وقتله.

فتنة قرة جنيد:


لم يؤثر عفو السلطان محمد الأول عن هذا الخائن مرتين، فقد أدمن الخيانة وبدأ يزاول هوايته في عهد مراد الثاني، فاستولى على إمارة آيدين وأعلن انفصاله عن الدولة، فوثب عليه الجيش العثماني وقتله.

نشاط السلطان مراد
في الأناضول:

واصل السلطان مراد تحقيق هدفه الأول، وهو إعادة الإمارات التي استقلت عن الدولة العثمانية في الأناضول، فعقد صلحًا مع أمير القرمان.
وجد أمير قسطموني نفسه في موقف حرج، إذ كان يدعم الأمير مصطفى أخا السلطان مراد،, فأسرع بالتنازل عن نصف إمارته للسلطان مراد وزوجه ابنته.
سيطر السلطان مراد الثاني على إمارات آيدين، منتشا، وصاروخان، وإقليم الحميد، وكرميان التي أوصى أميرها قبل موته بإلحاقها بالدولة العثمانية حيث لم يكن له من يعقبه، وانتهت بذلك مشاكل الأناضول وأصبح السلطان متفرغًا للجهاد في أوربا.

الجهاد في
أوربا:

من أكثر الحروب التي خاضها السلطان في أوربا تلك التي خاضها مع ملك المجر، وكان المسلمون تارة ينتصرون وتارة ينهزمون.
بدأ القتال بين السلطان وملك المجر وكان النصر للمسلمين حيث عقدت معاهدة تنازل فيها ملك المجر عن أملاكه شرقي نهر الدانوب، الذي أصبح حدًّا فاصلاً بين الدولتين.
خشي أمير الصرب جورج برنكوفتش على ملكه، فعقد معاهدة مع العثمانيين تنازل فيها عن بعض المواقع للعثمانيين، وبمقتضاها يدفع جزية سنوية وتعهد بقطع علاقاته مع ملك المجر، وتزوج السلطان ابنته مارا.
استعاد السلطان مراد الثاني مدينة سالونيك والتي آلت إلى البندقية عام 833هـ واعترف أمير الأفلاق بالسيادة العثمانية عام 836هـ، واستطاع السلطان إخضاع بلاد الأرنئوط (ألبانيا) وسلم أميرها أبناءه الأربعة كرهينة للسلطان, وعندما مات الأمير عام 834هـ ضم السلطان أملاكه إليه، وما كاد السلطان يستعد لفتح القسطنطينية حتى عادت الدولة النصرانية إلى نقض العهود والتمرد، فقد عاد أمير الصرب جورج برنكوفتش إلى العصيان، فهاجمه السلطان وقتله، وفتح جزءًا من بلاد الصرب وحاصر بلغراد ستة أشهر, ولكنه لم يتمكن من فتحها، وأرسل السلطان جيشًا إلى إقليم ترانسلفانيا (الجزء الغربي من رومانيا حاليًا) والذي كان يتبع وقتها المجر، فهزم الجيش واستشهد قائده مع 20.000 من الجند، ثم أعاد الكرة مرة أخرى وأرسل جيشًا قوامه 80 ألفًا فانهزم للمرة الثانية وأسر القائد العثماني عام 845هـ.


الدولة العثمانية في عهد مراد الثاني




استغل ملك المجر الهزيمتين الأخيرتين للجيش العثماني وسار بجيشه ومن انضم إليهم -من ألمان, وفرنسيين، وبنادقة، وبولنديين، وجنوبيين، وصرب، وأفلاق- إلى بلاد الصرب وانتصر على العثمانيين في ثلاث معارك متتالية، اضطر بعدها السلطان مراد لتوقيع معاهدة تنازل بمقتضاها عن الأفلاق للمجر, ورد للصرب بعض المواقع وقامت هدنة مدتها 10 سنوات، واختار السلطان أن يخلد إلى الراحة بعد هذه الحروب المتتالية وبعد وفاة ابنه الأكبر علاء الدين فذهب إلى ولاية آيدين في غربي الأناضول، وترك ابنه محمدًا الذي لم يبلغ من العمر 14عامًا لتولي السلطة.

تحالف صليبي جديد ضد المسلمين:


استغل البابا هزائم المسلمين الأخيرة وحث ملك المجر على نقض العهد مع المسلمين, وتنادى نصارى أوربا بحرب صليبية جديدة ضد المسلمين، وخاصة أن السلطان قد ترك الحكم لابنه الصغير قليل الخبرة في القتال.


موقعة
وارنا (فارنا) 848هـ:

جمع ملوك أوربا جموعهم وهاجموا بلاد البلغار, وخرج لهم السلطان مراد من عزلته، وهاجمهم بجيش تولى قيادته بنفسه، والتقى الجمعان في مدينة فارنا البلغارية على البحر الأسود، فهزم الحلف الصليبي شر هزيمة، وقتل ملك المجر في المعركة، فاختل توازن الأعداء فهاجم السلطان معسكرهم وقتل مندوب البابا وترك مرة أخرى السلطان لابنه.
ثم اضطر السلطان للعودة مرة أخرى لتأديب الإنكشارية الذين استخفوا بابن السلطان الصغير، فشغلهم بالحرب في بلاد اليونان، حيث قسم الإمبراطور البيزنطي ملكه بين أولاده، فأعطى جنا القسطنطينية، وأعطى قسطنطين بلاد المورة (الجزء الجنوبي من اليونان).

تمرد إسكندر بك:


إسكندر بك هو أحد أبناء أمير ألبانيا الذين كانوا رهينة عند السلطان العثماني، أعلن إسكندر إسلامه واستغل انشغال السلطان بالحرب فهرب إلى ألبانيا, وطرد العثمانيين منها، فقاتله السلطان وانتصر عليه وأخذ منه بعض المواقع عام 851هـ، ثم اضطر لتركه لمحاربة المجريين في كوسوفو، وقد عرض السلطان عليه أن يسلمه حكم ألبانيا مقابل جزية سنوية يدفعها، ولكنه رفض وبينما يستعد السلطان لمحاربته إذ وافته المنية.

معركة كوسوفو الثانية عام 852هـ
:

للمرة الثانية يلتقي المسلمون في هذا السهل مع نصارى أوربا, ولكن هذه المرة مع الجيش المجري، والذي أراد الانتقام لهزيمته في معركة فارنا، وانتصر المسلمون نصرًا عزيزًا على الجيش المجري.

توفي السلطان مراد الثاني في عام 855هـ، وتسلم السلطة ابنه محمد الثاني (محمد الفاتح).